الشيخ عبد الغني النابلسي

35

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

صُنْعاً ( 104 ) [ الكهف : 104 ] فمن طلب الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه . وما أحسن ما قال اللّه تعالى في حقّ العالم وتبدّله مع الأنفاس « في خلق جديد » في عين واحدة فقال في حقّ طائفة بل أكثر العالم بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس . لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض ، وعثرت عليه الحسبانيّة في العالم كلّه ، وجهّلهم أهل النّظر بأجمعهم . ولكن أخطأ الفريقان : أمّا خطأ الحسبانيّة فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتّبدّل في العالم بأسره على أحديّة عين الجوهر المعقول الّذي قبل هذه الصّور ولا يوجد إلّا بها كما لا تعقل إلّا به فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التّحقيق في الأمر . وأما أصحاب النظر العقلي وأرباب الفكر من الفلاسفة القدماء المتكلمين ، أي علماء الكلام في كلامهم ، أي بحثهم في النفس الناطقة الإنسانية وبيان ماهيتها فما منهم من ، أي أحد عثر ، أي اطلع على حقيقتها ، أي النفس ولا يعطيها ، أي حقيقة النفس النظر الفكري أبدا ، إلا بطريق الحدس والتخمين والظن والتوهم ؛ ولهذا اختلف الخائضون في ذلك على نحو ألف ، قول وقال جدنا ابن جماعة رحمه اللّه تعالى : وليس فيها قول صحيح بل هي قياسات وتخيلات عقلية فمن طلب العلم بها ، أي بالنفس الناطقة من طريق النظر الفكري كما هو شأن حكماء الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم فقد استسمن ذا ، أي صاحب ورم ، أي ظنه سمينا وحسب ورمه سمنا ونفخ في غير ضرم ، أي نار موقدة ، وهذا مثل مشهور يضرب لمن يطلب الشيء من غير موضعه . لا جرم ، أي قطعا أنهم ، أي هؤلاء الطالبين معرفة النفس من نظرهم الفكري من جملة القوم الَّذِينَ ضَلَّ ، أي خسر سَعْيُهُمْ ، أي طلبهم للمعرفة النفسانية الموصلة إلى المعرفة الربانية المترتب عليها سعادة الدارين والنجاة الأبدية فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، فخرجوا من الدنيا ولم يظفروا من مطلوبهم بطائل ، ولا حصل لهم من المقصود المهم حاصل وَهُمْ يَحْسَبُونَ ، أي يظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ، لأنهم خالفوا طريق الأنبياء عليهم السلام بالنظر بنور الإيمان والتأدب في العلم والعمل بآداب الإسلام والإذعان ، والمسلمون منهم خاضوا في معاني الكتاب والسنة بأنظارهم العقلية وأفكارهم الوهمية ، وجعلوا الحق الواحد مذاهب كثيرة ، وقد خطأ بعضهم بعضا .